النويري

408

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلما كان من العشىّ أو من الغد أتاه ابن عبّاس فقال : « يا ابن عم ، إني أتصبر ولا أصبر ، إني أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، إن أهل العراق قوم غدر [ 1 ] فلا تنفر إليهم [ 2 ] ، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم لينفوا عاملهم وعدوّهم ، ثم قدم عليهم ، فإن أبيت إلَّا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا ، وهى أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت على الناس في [ 3 ] عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبثّ دعاتك ، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية ! » فقال له الحسين : « يا ابن عم ، إني واللَّه لأعلم أنك ناصح مشفق ، وقد أزمعت وأجمعت المسير ! » فقال ابن عباس : « فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيانك ، فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ! » ثم قال له ابن عباس : « لقد أقررت عين ابن الزّبير بالخروج من الحجاز ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك ، واللَّه لو أعلم أنى إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتّى يجتمع علينا الناس أطعتنى فأقمت لفعلت ذلك ! » . ثم خرج من عنده . فمرّ بابن الزّبير فقال : قرّت عينك يا ابن الزبير ، ثم قال [ 4 ] :

--> [ 1 ] كذا يجئ على الوصف ، ويجوز أن يكون « غدر » بفتح الغين وسكون الدال مصدرا مضافا إليه . [ 2 ] أي : فلا تسرع إليهم ، وجاء في تاريخ الطبري والكامل : « فلا تقربنهم » [ 3 ] كذا جاء في الأصل مثل الكامل ، وجاء في البداية والنهاية ج 8 ص 160 « وكن عن الناس في معزل » وجاء في مروج الذهب ج 2 ص 86 « فإنها في عزلة » . [ 4 ] أي : قال هذا الرجز القديم متمثلا به ، كما تمثل به قيس بن سعد في قوله لمعاوية أبن أبي سفيان : « فدونك أمرك يا معاوية ، فإن مثلك كما قال الشاعر : يا لك من قبرة بمصر . . . » أنظر العقد الفريد ج 4 ص 340 .